محمد جواد مغنية

177

في ظلال الصحيفة السجادية

تعالى بتوبة خالصة مخلصة . ( فقام إليك بقلب طاهر نقّي ) يحب لغيره ما يحب لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ( ثمّ دعاك بصوت حائل خفّي ) والمراد بالحائل هنا أنّ صوته تحوّل عن طبيعته ، وعادته إلى التّذلّل ، والتّضرّع لهيبة اللّه وجلاله ( قد تطأطأ ) انخفض ، وخضع ، ومثله طأطأ كلّ شريف لشرفه ( ونكّس رأسه ) طأطأه ذليلا ( قد أرعشت خشيته رجليه . . . ) الرّعشة : الرّجفة ، والرّعدة ، والمعنى استولت عليه الخشية من اللّه ، فأرعشت رجليه ، وأبكت عينيه . . . يستغيث برحمته تعالى ، ويستنجد برأفته ، ويكرر مرددا : يا إله العالمين ، يا مجير الخائفين ( يا أرحم الرّاحمين ، ويا أرحم من انتابه ) أي أتاه المرة تلو المرة ( المسترحمون ) طالبوا الرّحمة ( من أطاف به ) من أحاط به ( المستغفرون ) وهم الّذين يطلبون منه المغفرة . ( ويا من عفوه أكثر من نقمته ) كلّ حليم يعفو ، ويغفر ؛ لأنّ العفو ، والمغفرة ثمرة الحلم ، وأثر من آثاره ، وقد وصف سبحانه نفسه في العديد من آيات كتابه العزيز بقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » ، وكلمة غفور للمبالغة ، تومىء إلى أنّ الّذين يشملهم اللّه بعفوه من المذنبين أكثر بكثير من الّذين ينتقم منهم بعدله ( ويا من رضاه أوفر من سخطه ) لا يسرع إلى الانتقام ممن يستحقه : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ « 2 » ، وقيل للإمام السّجاد عليه السّلام : « إنّ الحسن البصري قال : ليس العجب ممن هلك كيف هلك ، وإنّما العجب ممن نجا كيف نجا ؟ قال الإمام عليه السّلام أمّا أنا فأقول : ليس العجب من نجا كيف نجا ؟ ، وإنّما العجب ممن هلك كيف هلك ؟ مع سعة رحمة اللّه » « 3 » . وهذا القول من الإمام عليه السّلام وحي من الوحي الّذي

--> ( 1 ) البقرة : 218 . ( 2 ) فاطر : 45 . ( 3 ) انظر ، أمالي المرتضى : 1 / 113 ، بحار الأنوار : 75 / 153 ، إعلام الورى بأعلام الهدى : -